من هم الحريديم؟ اليهودية الحريدية تطورها وعقائدها

من هم الحريديم؟ اليهودية الحريدية تطورها وعقائدها
من هم الحريديم؟ اليهودية الحريدية تطورها وعقائدها

طائفة اليهود الأرثوذكس المتشددين (الحريديم)

في خضم النقاشات المستمرة حول المجتمع الإسرائيلي وتوازناته الديموغرافية والسياسية، يبرز تيار ديني فريد يثير الفضول بتفاصيله وثيابه السوداء وانعزاله التام. يطرح الكثيرون سؤالاً جوهرياً: من هم الحريديم؟ للإجابة عن هذا التساؤل، يجب أن نعود إلى الجذور اللغوية والتاريخية. يُشتق مصطلح “حريديم” من الكلمة العبرية التي تعني “المرتعد خوفاً” أو الخاشع، وتطلق على اليهود الأرثوذكس المتشددين الذين يحرصون بصرامة تامة على تنفيذ الوصايا الدينية (613 وصية) بدقة وتزمت خوفاً من انتهاك أي منها. يشكل هذا المجتمع اليوم حوالي 12% إلى 13.6% من سكان إسرائيل، ويتميز بنمو ديموغرافي متسارع بمتوسط إنجاب يتجاوز 6.6 أطفال للمرأة الواحدة.

الجذور التاريخية لليهود الحريديم: جدار دفاعي ضد الحداثة

لم يظهر هذا التيار من فراغ، بل وُلد في أوروبا الوسطى والشرقية أواخر القرن الثامن عشر ومطلع القرن التاسع عشر، كحائط صد ودفاع ضد حركة التنوير اليهودية (الهسكالا) وعمليات التحرر والاندماج في المجتمعات الغربية. في مواجهة خطر العلمنة وذوبان الهوية، رفع الحاخام موشيه سوفر (חת”ם סופר)، أحد الآباء المؤسسين لهذا الفكر، شعار “الجديد محرم من التوراة“، مؤسساً بذلك لثقافة الانغلاق التام ورفض التجديد للحفاظ على نقاء الدين اليهودي.

المعتقدات والثقافة: “مجتمع الدارسين” والعزلة في المجتمع الحريدي

تدور حياة الحريديم حول مبدأين أساسيين: “دعات توراة” (رأي التوراة)، والذي يعني أن النصوص المقدسة تحكم كافة تفاصيل الحياة اليومية والسياسية، و”إيمونات حخاميم” (الإيمان بالحكماء)، مما يوجب الطاعة المطلقة لكبار الحاخامات والامتثال لفتاويهم دون جدال. يعد الحريديم دراسة التوراة القيمة الأسمى والواجب الديني الأهم، مما أنتج ما يُعرف بـ “مجتمع الدارسين”، حيث يُكرس الرجال حياتهم للتعلم في المدارس الدينية العليا (الييشيفوت).

ثقافياً، يتبنى الحريديم انعزالاً طائفياً واجتماعياً للحماية من تأثيرات العالم العلماني، فيتجنبون التلفاز ويقيدون استخدام الإنترنت لدرء “الفساد”. ويبرز هذا الانعزال جلياً في زيهم التقليدي (المعطف الأسود الطويل والقبعة السوداء) المستوحى من أوروبا في العصور الوسطى، وفي حرصهم المبالغ فيه على “الصنيعوت” (الاحتشام) والفصل التام بين الجنسين.

انقسامات الداخل: هل الحريديم كتلة واحدة؟

رغم المظهر الخارجي الموحد، لا يشكل الحريديم كتلة متجانسة أبداً، بل يعج مجتمعهم بانقسامات عميقة وتيارات متعددة. أهم هذه التيارات الأشكناز (الغربيون) الذين ينقسمون بدورهم إلى “الحسيديم” (الذين يركزون على البهجة الدينية والتصوف والولاء لقائد وراثي يُدعى “الأدمور”) و”الليتوانيين” أو المتناغديم (المعارضين، الذين يركزون على الدراسة العقلانية والفقهية الصارمة للتلمود تحت قيادة رؤساء الييشيفوت).

إلى جانب هؤلاء، ظهر بقوة تيار “الحريديم السفارديم” (الشرقيين) الممثل سياسياً بحزب “شاس”، والذي نشأ كرد فعل على التمييز الذي مارسته المؤسسات الأشكنازية ضدهم. وهناك جماعات راديكالية متطرفة جداً مثل “ناطوري كارتا” و”الطائفة الحريدية” التي تتمركز في بعض أحياء القدس.

موقف الحريديم من الصهيونية وإسرائيل

تاريخياً، عارض الحريديم الأيديولوجية الصهيونية بشدة، معتبرين إياها حركة علمانية ومحاولة لتغيير طبيعة الشعب اليهودي، بل وتمرداً على إرادة الرب واستعجالاً لمجيء المسيح المخلص، في مخالفة صريحة لـ “العهود الثلاثة” المذكورة في التلمود. ومع ذلك، انقسم الموقف عملياً بعد قيام دولة إسرائيل؛ فالأغلبية (مثل أحزاب يهدوت هتوراة وشاس) اتخذت موقفاً “براغماتياً” يتعامل مع الدولة كأمر واقع من أجل الدخول في الائتلافات الحكومية والحصول على الميزانيات لحماية مؤسساتهم. أما الأقلية المتطرفة (الطائفة الحريدية وناطوري كارتا) فترفض الدولة تماماً، وتقاطع الانتخابات، وترفض أي تمويل حكومي.

أزمة تجنيد اليهود الحريديم والخدمة العسكرية

يُعد رفض الخدمة العسكرية في الجيش الإسرائيلي من أبرز نقاط الصدام والتوتر بين الحريديم والمجتمع العلماني. يستند الحريديم في رفضهم إلى مبدأ “توراته حرفته”، أي أن تفرغ الشاب لتعلم التوراة هو “الخدمة الحقيقية”، وأن طلاب المعاهد الدينية يشكلون “جيشاً روحياً” يحمي الشعب. وقد بدأت الإعفاءات منذ تسوية عقدها ديفيد بن جوريون عام 1948 لإنقاذ وإعادة إعمار مجتمع التوراة بعد المحرقة. ورغم محاولات الدولة المتكررة لدمجهم عبر أطر خاصة تناسب احتياجاتهم الدينية المتشددة مثل كتيبة “نيتساح يهودا”، إلا أن نسب التجنيد لا تزال منخفضة وتشهد توترات سياسية واجتماعية مستمرة، بلغت ذروتها مع إلغاء المحكمة العليا لـ “قانون طال”.

إقرأ أيضًا:

كيف يعيش الحريديم؟ التعليم الموازي والاقتصاد القائم على الدعم في المجتمع الحريدي

بسبب تكريس أغلب الرجال وقتهم للدراسة الدينية المتواصلة، تقع مسؤولية الإعالة بشكل كبير على كاهل النساء الحريديات، اللاتي سجلن نسب انخراط في سوق العمل تفوق الرجال بكثير. وكنتيجة لهذا النظام، تعاني الطائفة الحريدية من معدلات فقر مرتفعة، وتعتمد بشكل كبير على المخصصات الحكومية وشبكات الإغاثة والجمعيات الخيرية الداخلية (الجماخيم). دراسياً، ترفض غالبية مدارس البنين الحريدية تدريس المواد العلمانية الأساسية كالرياضيات واللغات الأجنبية، وتكرس وقتها بالكامل للعلوم الدينية، مما يعيق بشكل حاد قدرة شبابهم على الاندماج في سوق العمل الحديث لاحقاً.

ما هي أبرز الاختلافات بين الحسيديم والليتوانيين؟

يُعد الانقسام بين “الحسيديم” (Hasidim) و”الليتوانيين” (الذين عُرفوا تاريخياً بـ “المتناجديم” أو المعارضين) أقدم الانقسامات الداخلية وأكثرها وضوحاً في الأوساط الأشكنازية داخل التيار الحريدي. تعود جذور هذا التباين إلى منتصف القرن الثامن عشر في أوروبا الشرقية، حين عارض عدد من الحاخامات التغييرات التي أحدثتها الحركة الحسيدية الناشئة في أسلوب الحياة اليهودية. ورغم تراجع حدة هذا العداء التاريخي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر نتيجة لظهور تحديات مشتركة استدعت التوحد، كالصهيونية والعلمنة والاشتراكية، إلا أن الفروق الجوهرية بين التيارين ظلت قائمة ومؤثرة في بنية المجتمع الحريدي وتوجهاته.

تبرز الاختلافات الأيديولوجية والعبادية بوضوح بين المدرستين؛ فالحركة الحسيدية تميل نحو التصوف القائم على إثارة العواطف الدينية، وتركز بشكل خاص على تحقيق التواصل المُبهج مع الرب، لا سيما من خلال الغناء والرقص. في المقابل، يمارس الليتوانيون (الذين ينحدر أغلبهم من المدارس التلمودية في ليتوانيا) يهودية أكثر صرامة وعقلانية وتقشفاً، تعتمد بشكل أساسي على مبدأ الجدل الفقهي الكلاسيكي (Pilpoul). ويركز الليتوانيون على دراسة التلمود البابلي وتفسيراته بشكل منهجي ومكثف كقيمة عليا تتمثل في مثالية “ابن التوراة” (Ben Torah)، بينما تُهمل تقريباً دراسة التوراة بحد ذاتها أو القبالا (التصوف) أو الفلسفة اليهودية في مؤسساتهم.

وقد انتقد الليتوانيون الحركة الحسيدية لتقديمها القبالا على “الهالاخاه” (الشريعة)، ورأوا أن مبالغتهم في “فرحة الحياة” تتعارض مع الجدية المطلوبة لدراسة التوراة. كما تميز التيار الليتواني بتطوير حركة “الموسار” (الأخلاق) التي سعت إلى التركيز على تهذيب النفس إلى جانب التفقه الأكاديمي.

يمتد الاختلاف بين التيارين ليشمل الهيكلية التنظيمية ومفهوم القيادة. يتمحور العالم الحسيدي حول القيادة الكاريزمية الموروثة المتمثلة في “الأدمور” (Admor) أو “الريبي”، حيث تنقسم الحركة إلى عشرات الطوائف (مثل جُور، فيجنيتس، ساتمار، وبعلز) التي تحمل غالباً أسماء البلدات الأوروبية التي نشأت فيها، وتنتقل الزعامة فيها عبر سلالات عائلية محددة، وعادة ما يتزوج أبناء هذه الطوائف من داخل طائفتهم.

أما التيار الليتواني، فيلتف حول شخصيات بارزة تعتمد سلطتها على الجدارة العلمية والفقهية، وهم “رؤساء الييشيفا” (المدارس الدينية العليا) و”كبار الجيل” (Gedolim). وقد كان هذا التقديس الشديد لشخصية “الأدمور” في الأوساط الحسيدية مدعاة لقلق الليتوانيين تاريخياً، حيث تخوفوا من أن يؤدي ذلك إلى ظهور حركات شبه مسيحانية جديدة على غرار حركة شبتاي تسفي.

على الصعيدين الاجتماعي والسياسي، تتبلور فروق ملموسة تعكس التباين في الأولويات بين المجموعتين. فمن الناحية الاجتماعية والاقتصادية، يُعد نموذج “مجتمع الدارسين” (חברת לומדים)، الذي يكرس فيه الرجل حياته بالكامل لدراسة التوراة في مؤسسات “الكوْلليل” بينما تتحمل المرأة العبء الأكبر من إعالة الأسرة، أكثر شيوعاً ورسوخاً في الأوساط الليتوانية، في حين يشهد الجمهور الحسيدي (وكذلك السفاردي) نسبة أكبر من الرجال الذين ينخرطون في سوق العمل لتأمين مصادر الرزق.

سياسياً، وفي الساحة الإسرائيلية تحديداً، تُرجم هذا التمايز إلى كيانات حزبية منفصلة؛ إذ يميل الحسيديم لدعم حزب “أجودات يسرائيل” (Agoudat Israël)، بينما يصوت الليتوانيون الأشكناز غالباً لحزب “ديغل هاتوراة” (Degel HaTorah)، واللذان غالباً ما يتحالفان ضمن قائمة انتخابية موحدة تُعرف بـ “يهدوت هتوراه”.

كما يظهر التباين جلياً في العادات الاجتماعية والمظهر الخارجي. يرتدي الليتوانيون اللباس التقليدي المكون من القبعة السوداء (الفيدورا) والحلة القصيرة الداكنة والقميص الأبيض، بينما يحافظ الحسيديم على تفاصيل أزياء تعكس أصولهم الجغرافية في أوروبا، كالمعطف الطويل الفوقي، وتخليل السراويل داخل الجوارب (كما هو الحال لدى رجال حاسيدية جور).

وفيما يخص النساء، تكتفي المرأة الليتوانية غالباً بارتداء الشعر المستعار (الباروكة)، بينما تميل بعض الطوائف الحسيدية إلى تغطية الباروكة بقبعة أو منديل، بل وتعمد نساء بعض الحسيديات (كالهنجارية) إلى حلق شعر الرأس بالكامل بعد الزواج. علاوة على ذلك، يتشدد الحسيديم بشكل أكبر في قواعد الاحتشام العلني وعدم إظهار المودة، حيث يُمنع الزوجان في طائفة جور -التي تُعد الأكثر تشدداً في هذا الجانب- من السير معاً أو الظهور كزوجين في الأماكن العامة.

كيف تؤثر القيم الحريدية على دور المرأة في المجتمع؟

تلعب القيم الدينية والأيديولوجية في المجتمع الحريدي دوراً جوهرياً ومُركباً في صياغة دور المرأة وتحديد مساحتها في الحياة العامة والخاصة. وتتقاطع في هذا الإطار قيمتان أساسيتان لتشكيل هذا الدور: القيمة الأولى هي “حصرية دراسة التوراة للرجال”، والقيمة الثانية هي مبدأ “الصنيعوت” أو الاحتشام، مما يخلق مفارقة سوسيولوجية تجعل المرأة محركاً اقتصادياً رئيسياً للأسرة، بينما تُفرض عليها قيود اجتماعية وسياسية صارمة لإبقائها بعيدة عن الحيز العام .

إن التطور التاريخي لنموذج “مجتمع الدارسين” (חברת הלומדים) بعد المحرقة النازية، والذي يكرس فيه الرجال حياتهم بالكامل لدراسة التوراة في المعاهد الدينية (الييشيفوت والكوْللين)، أحدث تحولاً جذرياً في الهيكل الاقتصادي والأسري. وبناءً على هذا النموذج، أصبحت المرأة الحريدية هي المعيل الرئيسي للأسرة، في ظاهرة استثنائية مقارنة بالمجتمعات الأبوية التقليدية.

ولإعدادها لهذا الدور، تتلقى الفتيات في معاهد “بيت يعقوب” تعليماً يجمع بين الدراسات الدينية والتأهيل المهني للحصول على شهادات في التدريس أو هندسة البرمجيات أو المحاسبة، بينما يُحرم الذكور غالباً من الدراسات العلمانية الأساسية. وقد أدى هذا التوجه إلى ارتفاع نسبة انخراط النساء الحريديات في سوق العمل لتصل إلى مستويات قياسية تقارب 83%، متجاوزة بذلك نسبة تشغيل الرجال الحريديم لتتساوى تقريباً مع نسبة النساء في المجتمع اليهودي غير الحريدي.

وعلى الرغم من خروجها للعمل وتحملها العبء المالي، فإن القيم الحريدية تفرض قيوداً حازمة على طبيعة عمل المرأة وبيئته. فهي ملزمة بالعمل في بيئات خالية من الاختلاط وموافقة لمعايير الاحتشام. وقد تركز عمل النساء تاريخياً في مجال التعليم داخل المجتمع الحريدي، ولكن مع تشبع هذا القطاع، اتجهت النساء نحو مجالات حديثة كبرمجة الحاسوب، والتصميم الداخلي، والهندسة المعمارية.

ومع ذلك، فإن أعباء الأسرة الكبيرة—حيث يعتبر إنجاب الأطفال (بمتوسط يبلغ 6.6 طفل للأسرة) التزاماً بوصية “أثمروا وتكاثروا”—تجبر الكثيرات على العمل في وظائف بدوام جزئي، وغالباً بأجور تقل عن الحد الأدنى، مما يحد من فرص ترقيهن المهني. بل إن هذا التطور الأكاديمي والمهني للنساء أثار مخاوف لدى بعض القيادات الحاخامية من تقويض الهيكل الأبوي التقليدي للأسرة، مما دفعهم لإصدار توجيهات تحذر من خطورة حصول النساء على درجات أكاديمية عليا خوفاً من تمرد المرأة المعيلة على زوجها المتفرغ للدراسة الدينية.

من جهة أخرى، يفرض مبدأ “الصنيعوت” (צניעות/الاحتشام) نظاماً صارماً من الرقابة الاجتماعية والفصل المفرط بين الجنسين، لمنع أي تواصل محرم وفقاً للشريعة (الهالاخاه). وتُلزم المرأة بتغطية جسدها بملابس فضفاضة، كما تُلزم النساء المتزوجات بتغطية شعرهن بالكامل باستخدام الشعر المستعار (الباروكة) أو القبعات والمناديل، بل وتلجأ نساء بعض الطوائف الحسيدية المتشددة إلى حلاقة شعر الرأس بالكامل بعد الزواج. ويتسع نطاق الفصل بين الجنسين ليشمل الحافلات العامة (خطوط المهادرين)، والمؤسسات التعليمية بدءاً من سن الثالثة، بل وتخصيص أرصفة منفصلة للرجال والنساء في بعض الأحياء المتطرفة مثل حي “مائة شعاريم” و”نيو سكوير”.

وتأسيساً على تفسير متشدد للنص الديني “كل مجد ابنة الملك في خدرها” (כָּל כְּבוּדָּה בַת מֶלֶךְ פְּנִימָה)، تُقصى المرأة الحريدية تماماً عن الحيز العام وشغل المناصب السياسية أو القيادية المجتمعية (باستثناء إدارة المدارس النسائية)، وتغيب صورها كلياً عن الصحافة ووسائل الإعلام والإعلانات الحريدية. كما ينص العرف الاجتماعي والديني على انتقال السلطة على المرأة من أبيها إلى زوجها بمجرد زواجها، حيث تُطالب بتبني الانتماء الطائفي والسياسي لزوجها بغض النظر عن جذورها العائلية.

وبذلك، يتضح أن القيم الحريدية قد خلقت نموذجاً تتولى فيه المرأة مسؤوليات اقتصادية عصرية لضمان استمرارية المجتمع الديني، بينما تظل خاضعة لإقصاء وتهميش اجتماعي وسياسي يُبقيها ضمن إطار الأسرة والعزلة المجتمعية.

ما هي مبررات الحريديم لرفض الخدمة العسكرية في إسرائيل؟

يستند تيار اليهودية الحريدية في رفضه لأداء الخدمة العسكرية الإلزامية في إسرائيل إلى منظومة معقدة ومترابطة من المبررات اللاهوتية، والشرعية (الهلاخية)، والتاريخية. ويُعد هذا الرفض من أبرز نقاط الخلاف والتوتر بين المجتمع الحريدي والمجتمع العلماني الإسرائيلي، حيث يرى الحريديم في التجنيد تهديداً مباشراً لهويتهم الدينية ونمط حياتهم المنعزل.

يبرز المبرر اللاهوتي والأيديولوجي كأهم أسس هذا الرفض، والذي يتجسد في مبدأ “توراتو أومانوتو” (תורתו אומנותו)، أي “توراته حرفته” أو تفرغه التام لدراسة التوراة. يعتقد الحريديم أن دراسة التوراة هي الخدمة الحقيقية الوحيدة والواجب الديني الأسمى الذي يقرب اليهود روحياً إلى الله، وأنه يجب على الشاب تكريس كامل حياته ووقته لهذا الغرض. وانطلاقاً من هذا المعتقد، يُنظر إلى طلاب المدارس الدينية (الييشيفوت) على أنهم “جيش روحاني” يدافع عن شعب إسرائيل ويحميه من أعدائه بقوة تفوق أو توازي قوة السلاح العسكري.

وتستند هذه الرؤية إلى قناعة إيمانية بأن الله هو من يحقق النصر في المعارك وليس القدرة البشرية، وهو ما عبر عنه الحاخام “حزون إيش” لدافيد بن جوريون مستشهداً بالآية: “إن لم يحرس الرب المدينة فباطلاً يسهر الحارس”. وعليه، يعتبر الحريديم أن تجنيد طالب المدرسة الدينية يُعادل “فرار الجندي من وحدته العسكرية” للانضمام إلى وحدة أخرى تاركاً موقعه الأساسي. كما يرتبط هذا المبرر بمعارضتهم اللاهوتية الأساسية للصهيونية، حيث يرون أن أخذ مصير الشعب اليهودي بيده عبر إقامة جيش وقتال هو بمثابة تمرد على الإرادة الإلهية وملكوته.

أما على الصعيد الشرعي (الهلاخي) والاجتماعي، فيسوق الحريديم مبررات تتعلق بصعوبة بل واستحالة الحفاظ على نمط الحياة الحريدي المتشدد داخل البيئة العسكرية. فالجيش الإسرائيلي، بطبيعته العلمانية، يفرض تحديات شرعية هائلة تعيق التزام الشاب الحريدي الأعزب بتعاليم الشريعة، وخاصة فيما يتعلق بقواعد “الصنيعوت” (الاحتشام) والفصل الصارم بين الجنسين، إلى جانب صعوبة توفير متطلبات الطعام الحلال (الكوشير) وفق المعايير الحريدية المتشددة.

وينظر المجتمع الحريدي بخوف شديد إلى الجيش باعتباره بيئة مليئة بالمغريات التي قد تؤثر سلباً على عقلية الشباب وتؤدي إلى انحرافهم عن التربية الدينية الصارمة وتقوض “أسوار الجيتو” التي تحميهم. وقد وصل الأمر ببعض القيادات السياسية الحريدية إلى معارضة الاختلاط بشدة، حتى أن أحد نواب حزب “شاس” صرّح في عام 1984 بأن سقوط قتلى من الجيش الإسرائيلي في حرب لبنان كان بسبب “السلوك الجنسي المنفلت للمجندات”.

بالإضافة إلى ذلك، يستند الحريديم إلى مبرر تاريخي يعود إلى فترة إقامة دولة إسرائيل وما تلا المحرقة النازية (الهولوكوست). ففي عام 1950، طالب زعماء المعسكر الحريدي رئيس الوزراء دافيد بن جوريون بإعفاء طلاب المعاهد الدينية من التجنيد بهدف إعادة بناء عالم التوراة وإعداد جيل جديد من الحاخامات لتعويض أولئك الذين أبيدوا في أوروبا. وقد وافق بن جوريون حينها على هذا الترتيب الاستثنائي لعدد محدود من الطلاب كإجراء لإنقاذ المؤسسة الدينية التي دُمرت، وهو ما تحول بمرور السنين إلى تسوية مؤسسية يتذرع بها الحريديم للحفاظ على الإعفاء الشامل لشبابهم، معتبرين أن ترميم التراث الروحي للشعب اليهودي لا يقل أهمية عن الدفاع الجسدي عنه.

خاتمة

إن الإجابة عن سؤال “من هم الحريديم؟” تتطلب النظر إلى ما هو أبعد من مجرد الملابس السوداء. فهم مجتمع وُلد من رحم المقاومة للحداثة، وتطور ليصبح قوة ديموجرافية وسياسية ضخمة. ورغم تقوقعهم ورغبتهم في العزلة، إلا أن تأثيرهم المتنامي يفرض تحديات جذرية ومستمرة على شكل وهوية واقتصاد الكيان الإسرائيلي اليوم وفي المستقبل.

عن عزيزة زين العابدين

مترجمة لغة عبرية، وباحثة في الشئون الإسرائيلية في تخصص تحليل الخطاب السياسي الإسرائيلي.

شاهد أيضاً

النمرود في العهد القديم| أسطورة أم شخصية تاريخية؟

النمرود في العهد القديم| أسطورة أم شخصية تاريخية؟

النمرود في العهد القديم Table of Contentsالنمرود الجبار: أول ذكر توراتي للصياد العظيمأصول النمرود حسب …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *