
إذا كنت قد قرأت مقالنا السابق عن ترجمة “המלך ליר” (الملك لير) لشكسبير، فلا بد أنك لاحظت أن اسمًا واحدًا تكرر في كل زاوية من زوايا ذلك النص: (أفراهام شلونسكي) אברהם שלונסקי.
من هو שלונסקי؟ ولماذا لُقب بـ”לשונסקי” (لَشونسكي)؟
وُلد أفراهام دافيد شلونسكي (אברהם דוד שלונסקי) في 6 مارس 1900، في قرية كريوكوفو (Крюково) بالقرب من مدينة كريمنتشوغ (קרמנצ’וג) في أوكرانيا، ضمن ما كان يُعرف حينها بـ”منطقة الاستيطان اليهودي” (תחום המושב) في الإمبراطورية الروسية.
وُلد لعائلة يهودية متدينة وصهيونية في آن واحد: والده طوبيا (טוביה) كان من أتباع حركة “חב”ד” (حباد)، وصهيونيًا روحانيًا وموسيقيًا هاويًا، بينما كانت والدته تسيبورا (צפורה) ناشطة في الحركة الاشتراكية في شبابها. هذا المزيج بين التقاليد اليهودية والانخراط في الأفكار الحديثة الثورية سيظهر لاحقًا بوضوح في شخصية شلونسكي الأدبية: شاعر متعمق في العبرية التوراتية والتلمودية، لكنه في الوقت نفسه ثائر على كل ما هو تقليدي وجامد.
مسلسل طهران الموسم الثاني الحلقة 1 |עונה 2 פרק 1
في سن الثالثة عشرة، أُرسل إلى فلسطين للدراسة في “הגימנסיה העברית הרצליה” (المدرسة الثانوية العبرية “هرتسليا”) في تل أبيب، لكن اندلاع الحرب العالمية الأولى أعاده إلى روسيا حيث أكمل تعليمه الثانوي. نشر قصيدته الأولى “בדמי ייאוש” (في دم اليأس) عام 1919 في مجلة “השילוח” التي كانت تصدر في برلين. وفي عام 1921، عاد إلى فلسطين هذه المرة كـ “חלוץ” (رائد)، وانضم إلى “גדוד העבודה” (كتيبة العمل) وعاش في كيبوتس “עין חרוד”، حيث عمل في الزراعة وشق الطرق والبناء.
أما لقبه الشهير “לשונסקי” (لَشونسكي) – وهو تلاعب لفظي ساخر يدمج اسم عائلته “شلونسكي” مع كلمة “לשון” (اللغة) – فقد مُنح له تقديرًا لدوره الفريد كـ “מחדש הלשון” (مجدد اللغة)، أي الشخص الذي وسع حدود العبرية ونحت فيها كلمات جديدة.
التمرد على ביאליק: من هو “خصمه” الأدبي، وما هي المدرسة التي شكلها؟
لفهم مكانة شلونسكي، يجب أن نفهم أولًا من كان يقف في الجهة المقابلة له: الشاعر חיים נחמן ביאליק (حاييم نحمان بياليك)، الملقب بـ”الشاعر القومي” لـ الأدب العبري الحديث، والذي كانت لغته الشعرية تستند بشكل كبير إلى العبرية التوراتية بأسلوب قومي تاريخي رصين، وتستخدم وزن ה”מלעיל” الأشكنازي التقليدي (وهو نظام تنغيم قديم يضع النبر على المقطع قبل الأخير).
جاء شلونسكي وجيله ليعلنوا تمردًا صريحًا على هذا النموذج “البياليكي” (הסגנון הביאליקאי)، مطالبين بـ:
- ה”הברה הספרדית” (اللهجة/النطق السفاردي): أي نظام النطق الحديث الذي اعتمدته العبرية الإسرائيلية المُحيية (والذي يضع النبر عادة على المقطع الأخير)، والذي أدخله شلونسكي إلى الشعر بقوة، فساهم في ترسيخه كمعيار للنطق العبري الحديث الذي تتعلمه اليوم في أي كتاب لتعليم العبرية.
- لغة عصرية حية، متحررة من القيود التاريخية-الدينية الصارمة، منفتحة على الحياة اليومية والمدينة والصناعة والجسد.
- حرية شعرية في الوزن والقافية، بعيدًا عن الصرامة الكلاسيكية.
هذا الصراع الجيلي بين “القديم” و”الجديد” يُعرف في تاريخ الأدب العبري بـ “המרד בביאליק” (التمرد على بياليك)، وقد كان شلونسكي أبرز قادته.
الحلقة الرابعة من مسلسل ساعة الاغلاق| שעת נעילה 4
الحداثة والرمزية: أي المدارس الأدبية أثرت في شلونسكي؟
تأثر شلونسكي بشكل عميق بالحركات الأدبية الأوروبية الحديثة في مطلع القرن العشرين، وعلى رأسها:
- הסימבוליזם (السمبوليزم/الرمزية): المدرسة الشعرية الفرنسية-الروسية التي تعتمد على الصور الموحية والرمز بدل الوصف المباشر، وقد امتص شلونسكي الكثير من روحها خصوصًا من تجربته الروسية.
- המודרניזם (الحداثة/المودرنيزم): بمعناه الواسع كحركة قطيعة مع الأشكال الشعرية التقليدية، وهذا ما جعل شلونسكي يُصنف كأحد أهم رواد “השירה העברית המודרנית” (الشعر العبري الحديث).
نتاج هذا كله هو ما يُعرف نقديًا بـ”דור שלונסקי-אלתרמן” (جيل شلونسكي-ألترمان)، نسبة إلى شلونسكي وتلميذه/رفيقه الشاعر נתן אלתרמן (ناتان ألترمان)، وهو المصطلح الذي يستخدمه دارسو الأدب العبري للإشارة إلى الموجة الشعرية المهيمنة في العبرية بين ثلاثينيات وخمسينيات القرن العشرين.
شلونسكي المحرر: كيف صنع أهم دور نشر الأدب العبري الحديث؟
لم يكن شلونسكي شاعرًا منعزلاً في برجه العاجي، بل كان من أهم مؤسسي المؤسسة الثقافية العبرية. إليك أبرز محطاته التحريرية:
- عام 1926: أسس مع الأديب אליעזר שטיינמן (إليعيزر شتاينمان) المجلة الأدبية “כתובים” (كتوفيم – أي “مكتوبات”)، التي فتحت المجال لأصوات شابة مثل ناتان ألترمان وليئة جولدبرج.
- عام 1933: أسس أسبوعية “טורים” (توريم – أي “أعمدة/سطور”)، المرتبطة بمجموعة “יחדיו” (يحدَاف – أي “معًا”) التي ضمت كوكبة من أهم الأسماء الشعرية الشابة حينها.
- في الخمسينيات: حرر مجلة “אורלוגין” (أورلوجين)، التي نشرت فيها الشاعرة الشابة דליה רביקוביץ (داليا رافيكوفيتش) أولى قصائدها.
- كان המערכת הראשית (رئيس التحرير) لدار النشر الشهيرة “ספרית פועלים” (سفرية بوعليم)، التي شارك في تأسيسها عام 1939، والتابعة لحركة “הקיבוץ הארצי – השומר הצעיר”.
- شارك في تأسيس نادي “צוותא” ( أي “معًا/رفقة”) للثقافة التقدمية في تل أبيب عام 1946، وهو مركز ثقافي ومسرحي ما زال قائمًا حتى اليوم.
من خلال هذه المنصات، لم يكتشف شلونسكي مواهب مثل ألترمان وليئة جولدبرج فحسب، بل ساهم في النشر الأدبي العبري لعقود طويلة، حتى أن بعض كتاب جيل لاحق (جيل ما يُعرف بـ”דור תש”ח” – جيل 1948) تمردوا عليه بدورهم، في حلقة كلاسيكية من صراع الأجيال الأدبي، لكنه ظل يلقب باحترام بالغ بـ”המאסטרו” (الأستاذ الكبير/المايسترو).
كتاب المحادثة العبرية pdf | موقع مصرايم
שלונסקי المترجم: جسر بين ثلاث لغات عظيمة
من أهم أدوار شلونسكي – وهو الأكثر أهمية لدارس اللغة العبرية تحديدًا – هو دوره كمترجم لأهم أعمال الأدب العالمي إلى العبرية. من أبرز ترجماته:
- “יבגני אונייגין” (يفغيني أونيغين) لألكسندر بوشكين (פושקין): رائعة الشعر الروسي المكتوبة على شكل “رواية بالشعر الموزون”، وتعد ترجمة شلونسكي لها من كلاسيكيات الترجمة العبرية التي لا تزال تُقرأ وتُستشهد بها حتى اليوم.
- “המלט” (هاملت) لشكسبير: ترجمها شلونسكي عن الروسية (لا عن الإنجليزية مباشرة، وهي معلومة مهمة ومثيرة كثيرًا ما تُغفَل)، وتُعد اليوم من الترجمات الكلاسيكية المعتمدة.
- “המלך ליר” (الملك لير): موضوع مقالنا السابق، وأحد أعمدة سلسلة “ספרי מופת” (سفري موفت – “كتب الروائع”).
- أعمال أخرى من الأدب الروسي والعالمي، وأحيانًا عبر لغة وسيطة لا عن اللغة الأصلية مباشرة، وهو أسلوب كان شائعًا في تلك الحقبة.
نحت الكلمات: كيف “اخترع” شلونسكي عبرية جديدة؟
لم يكتف شلونسكي باستخدام العبرية الموجودة، بل مارس ما يُعرف بـ”חידושי לשון” (ابتكارات لغوية/نحت لغوي) بشكل ممنهج. حتى أن هناك كتابًا أكاديميًا كاملاً بعنوان “מילון חידושי שלונסקי” (معجم ابتكارات شلونسكي اللغوية) للباحث יעקב כנעני (يعقوف كنعاني) عام 1989 لتوثيق هذه الكلمات فقط! هذا يعني أن عددًا لا بأس به من الكلمات التي قد تصادفها في قاموس عبري حديث، أو حتى في الاستخدام اليومي، ربما تكون في الأصل من نحت هذا الشاعر تحديدًا.
تحميل كتاب عائلة روتشيلد pdf| آل روتشيلد لـ مجدي كامل
كان أسلوبه في النحت يعتمد على العودة إلى الجذر العبري השורש (الجذر الثلاثي/الرباعي) الأصيل، مستوحى من طبقات اللغة المختلفة (המקרא المقرا، המשנה المشنا، התלמוד التلمود)، ثم إعادة تشكيله بأوزان (משקלים) جديدة أو غير مألوفة لخلق كلمة تحمل دلالة عصرية.
هذه العملية بالذات هي جوهر ما يجعل قراءة نصوصه أو ترجماته تجربة استثنائية: فهي تدربك على “منطق” اشتقاق الكلمة العبرية من جذرها، وهي مهارة أساسية لأي دارس متقدم يريد أن يتوقف عن حفظ الكلمات المعزولة ويبدأ بفهم “بنية” اللغة نفسها.
שלונסקי وأدب الأطفال: “עוץ לי גוץ לי”
جانب آخر أقل شهرة لكنه شديد الأهمية للدارسين هو أعمال شلونسكي الموجهة للأطفال، وأبرزها المسرحية الغنائية “עוץ לי גוץ לי” (عوتس لي غوتس لي، 1965)، وهي إعادة صياغة عبرية مبدعة لحكاية الأخوين غريم “رومبلستيلتسكين” (Rumpelstiltskin)، كتبها إهداءً لحفيدته الشاعرة سيغال أشل (סיגל אשל).
هذا العمل، الذي لا يزال يُعرض على المسارح الإسرائيلية منذ ما يقارب ستة عقود، مثالي لدارسي اللغة في المستويات الأدنى نسبيًا، لأن شلونسكي تعمد فيه استخدام لغة “مركبة الطبقات” (לשון מרובדת) لكنها في الوقت نفسه محببة وسهلة الحفظ للأطفال، ما يجعلها مدخلًا أخف وطأة إلى عالمه اللغوي قبل التقدم إلى ترجماته الشكسبيرية الأثقل.
تحميل الرواية العبرية: حكاية بسيطة סיפור פשוט لـ شموئيل يوسف عجنون pdf
שירתו: عن ماذا كتب شلونسكي شعره الخاص؟
بعيدًا عن دوره كمترجم ومحرر، ظل شلونسكي في جوهره משורר (شاعرًا) بالدرجة الأولى، أصدر مئات القصائد ومجموعات شعرية متعددة، بأسلوب وصفه هو نفسه ذات مرة بأنه يسعى إلى “שירה גבוהה” (شعر رفيع) – أي شعر فكري-تأملي يبحث في جوهر الألم والحزن الإنساني، لا شعرًا شعبيًا سهل التلقي. ومع ذلك، فقد أظهر أيضًا جانبًا آخر مرحًا ومفعمًا بالتلاعب اللفظي، تجلى في أغانيه (הפזמונים) التي كتبها لخشبات المسرح العبري الساخر (הבמה הסאטירית) ولاحتفالات عيد البوريم (פורים) في تل أبيب الصغيرة آنذاك، إضافة إلى إعلانات تجارية كتبها لتمويل مجلاته الأدبية.
שלונסקי وثقافته العامة: مما كان جزءًا من نسيج الدولة الصهيونية
لم يكن شلونسكي شاعرًا بمعزل عن الحياة العامة، بل كان شخصية عامة فاعلة: عمل في تحرير الملاحق الأدبية لصحف مثل “דבר”، و”הארץ”، و”על המשמר”، وكان أحد أبرز الفاعلين في حزب “מפ”ם” (مباي – حزب العمال الموحد) اليساري، وعضوًا في “תנועת השלום” (حركة السلام). هذا الانخراط السياسي-الاجتماعي اليساري متماشٍ تمامًا مع خلفيته كرائد (חלוץ) وعضو كيبوتس سابق، ومع ارتباطه العميق بدار نشر تابعة لحركة كيبوتسية اشتراكية.
تحميل كتاب أدب الطفل العبري “בין סופר ילדים לקוראיו”
جائزة إسرائيل פרס ישראל وما بعدها
في عام 1967، حصل شلونسكي على “פרס ישראל לספרות יפה” (جائزة إسرائيل للآداب الرفيعة)، وهي أرفع تكريم دولة الاحتلال. توفي في تل أبيب في 18 مايو 1973، ودُفن في مقبرة “קריית שאול”. وقبل وفاته بسنوات، وتحديدًا عام 1955، أسست باسمه “פרס שלונסקי לספרות” (جائزة شلونسكي للأدب)، بمبادرة من دار “ספרית פועלים” ومركز “צוותא”، وهي جائزة تمنح للأعمال الأدبية “الإنسانية والمعاصرة”، وما زالت تمنح حتى يومنا هذا لأجيال جديدة من الكتاب.
هل يكون الخطاب الإسرائيلي في أحداث طوفان الأقصى دليل إدانة للإدارة الإسرائيلية
وفي عام 1996، أصدرت هيئة البريد الإسرائيلية طابعًا بريديًا يحمل صورته ضمن سلسلة “סופרים עבריים בדורות האחרונים” (كتاب عبريون في الأجيال الأخيرة)، تكريمًا لمكانته الرمزية في تاريخ الأدب العبري الحديث.
قال عنه ناتان ألترمان إن أحدًا من الأدباء الذين برزوا منذ انتقال مركز الأدب العبري من الشتات إلى فلسطين لا يُضاهيه في حجم وغزارة إسهامه، وأن السحر الذي أحدثه تماسه مع العبرية الحديثة ليس مجرد مسألة لغوية بحتة، بل إن نهضة العبرية ذاتها مدينة له بدين لا يقدر.